الرابطة نيوز
الرئيسية / ثقافة / ديمقراطية الشعر وحرية الأساليب.. قصيدة النثر مزايا زئبقية ولا اشتراطات

ديمقراطية الشعر وحرية الأساليب.. قصيدة النثر مزايا زئبقية ولا اشتراطات

لا يزال الجدل حول قصيدة النثر العربية محتدما بين الشعراء والنقاد، بينما لم يعد قائما في ثقافات أخرى (غيتي إيميجز)

الرابطة نيوز 2020.10.09

“قصيدتك مسؤوليتك: إيقاعها غير متعين، وزمنها منفتح، وشكلها لا نهائي.. فاختر بينها والرتابة والسبك والتقليد. ذلك ما تقوله قصيدة النثر كرسالة لكاتبها ولقارئها بالضرورة”.

هكذا أجابنا الشاعر والناقد الأكاديمي العراقي المقيم في الولايات المتحدة حاتم الصكر، عندما سألناه: كيف نحكم على نص ما أنه قصيدة نثر، من بين سيل من النصوص نقرؤها على صفحات التواصل الاجتماعي والصحف ومواقع النشر، يزعم كتّابها أنها تنتمي لقصيدة النثر؟

ويؤكد الناقد أن الجدل حول تأصيل قصيدة النثر (نثريتها وإيقاعها) لم يعد قائما في ثقافات مجاورة لنا، بل حول تياراتها الجديدة وتحولاتها الأسلوبية، “فهناك تم قبول قصيدة النثر نوعا شعريا متعدد الرؤى والتقنيات الكتابية”.

لكن الصكر -الذي يعد من أهم المنظِّرين لقصيدة النثر العربية- استدرك في حديثه للجزيرة نت، بالقول إنه ربما كان حالنا الشعري مرتبطا بالتراجعات العامة على صعيد السياسة والحقوق والحريات والتردي الاجتماعي والتعليمي، ولكن القصيدة تتجدد بمعزل عن ذلك غالبا وبتحفيز منه.

وربما كانت التحديات خلاصا للانعتاق الفني والجمالي، ومناسبَة للتحولات الأسلوبية وإطلاق طاقة الخيال لتوازي أو تعادل في الأقل حالة الانفلات المصيري والاختلال في الواجبات والحقوق والمواطَنة ذاتها، ووجود الإنسان في هذه اللحظة الحزينة من حياتنا العربية.

وأوضح الصكر أن قصيدة النثر تعدّ أكثر مشروعات ومقترحات التحديث الشعري حدةً وإثارةً للشغب والخلاف، وذلك أمرٌ صحي في قياس ديمقراطية الشعر وجدل الأنواع وتجددها، لكن العودة إلى الحديث عن اشتراطاتها إنما يعني أننا -شعراءَ ونقادا وقرّاء- لم نتقدم في مسار التحديث والإيغال في مغامرة الكتابة الشعرية، كما يحصل في فنون أخرى كالتشكيل الذي صارت له تيارات حداثية حرة الأسلوب، تتراوح بين التجريد والسوريالية والاقتراض من فنون مجاورة، كالحروفية مثلا والرسم المفاهيمي.

أزمة شعر عامة
وفي ظل شيوع أشكال جديدة أكثر خفةً، كالهايكو والكتابة الشذرية والقصيدة الومضة، وللإفادة حول توقعه لمستقبل قصيدة النثر العربية وسط هذا الخضمّ، وهي التي تعاني من مشكلة التلقي وأيضا مما أسماه في واحدة من محاضراته الأخيرة بـ”عُلُوّ صوت الأنا الساردة”، يرى الصكر أن التساؤلات ستصطادنا بكمائنها وإغراءات المساءَلَة الجمالية لأزمة الشعر عامة، وليس قصيدة النثر ذاتها.

وهنا يضيف أيضا: “إذا كان الشعر على مدى قرون ديوان العرب وسجل أيامهم ووقائعها كما يقال في النقد القديم، فإنه تراجع ليكون فن النخبة. وكلما ارتفع سقفه وخياله ولغته وصوره وإيقاعاته، انخفض اهتمام القراء الذي يحسنون إليه أحيانا بتذكر ماضيه سبيلا إلى ذم زمنه الحاضر!”.

اعلان
وبينما تحدث عن أزمة تلقٍ شاملة يشكو منها ناشرو الشعر ومنابره الأخرى، يؤكد الصكر -في المقابل- أن القصيدة لها زمنها وحالها بتفاصيله وخصوصياته، لذا تتقدم قصيدة النثر فنيا وتتعدد أشكالها، وينفصل عنها أنواع صغرى كالهايكو أو قصائد الومضة والشذرات، بينما تتسع جغرافيا في الهوامش الثقافية رغم أنها قصيدة مدن كما قيل عنها في الغرب، مقايسة بشعر الطبيعة والطابع القروي المميز لرؤيته.

الناقد الأدبي والأكاديمي العراقي حاتم الصكر يعتبر أن التحديث وصل للشعر العربي (مواقع التواصل)

ويفيد الصكر بأن الهوامش العربية وصلها التحديث وصار لها إرث نصي متراكم هو إشارة لتوسعها على مستوى الوعي الكتابي بها، كما أن نقد قصيدة النثر أيضا شهد تطويرا ملحوظا، وفُتحت لها أبواب الدراسة الأكاديمية بعد أن كانت منبوذة على أبوابه. وهذا يدعم الجهد النقدي المنهجي، ويضاف لمقاربتها بالعرض والقراءة والنقد.

أما الأجيال الجديدة فقد فرزت -وفرضت- قصيدتها ذات المزاج الخاص المتعالي والرافض، الحر الخيال واللغة والإيقاعات والاستعانات الخطية والدلالة.

كتابة حرة
وإذا كانت صعوبة كتابة قصيدة النثر تكمن في زئبقية مزاياها وعدم تعين اشتراطاتها كونها كتابةً حرة، فإن ذلك يجعل كتابتها شأنا شخصيا حتى ليقال إن لكل شاعر قصيدة نثره. لكن “كثيرين لا ينفذون من شرك هذه المسؤولية، فتظل نصوصهم حجةً على قصيدة النثر لا لها”، كما يضيف الصكر، و”هذا ما نراه في تراكم نصوص خالية من الشعرية المفترضة في القصيدة، ومستسلمة لوهم النثرية في وصفها ومصطلحها”.

ويزيد ذلك الاستسهال في كتابتها وانفتاحها على السرد وتعدد الأصوات فيها وهيمنة الذات الساردة، مما يجعل خطاب السرد مهيمنا بقوة عكسية. ومن حيث نفترض أن السرد فيها يزيدها حرية واسترسالا وينوع إيقاعاتها، فقد برزت خطورة الهيمنة السردية تجاوزا للمركز الشعري الذي ينبغي أن تقوم عليه القصيدة.

عودة المنقرض
وبالسؤال عن مستقبل قصيدة النثر (إذن)، وسط ما تمر به من توقفات وتراجعات جمالية، يجيب الصكر أنه ربما لا يسعفنا الحدس والاستقراء في توقع مستقبل الشعر لطبيعته الزلزالية، أي المعرضة للتحولات الحادة وعودة الحركات السابقة.

وهذا ما حصل في أنواع شعرية انقرضت كالموشحات مثلا، لكن سواها عاد في هيئات نصية وكيفيات أسلوبية جديدة، “أتحدث هنا عن البند في الشعر العراقي بمزايا نظمه القائمة على السطر الشعري متجاوزا البيت، والذي أفادت منه الحداثة الشعرية بعد توقفه في كتابة القصائد المدورة. وتطور التدوير من علاقة بيت بآخر يُتم معناه إلى أسطر شعرية متواصلة تتلازم لبيان الدلالة”.

وختم الناقد حاتم الصكر حديثه للجزيرة نت، مؤكدا أن القصيدة موجودة بما أنها تتجدد. وقصيدة النثر وليدة هذه الحاجة السلالية وابنة الفزع من الرتابة والتموضع في ثبات معياري لا يدع للخلق في الصورة واللغة والإيقاع أي تمايز.

ضد إملاءات التقليد
من ناحيته، يجد الشاعر والناقد الأكاديمي المغربي عبد اللطيف الوراري أن قصيدة النثر لا شكل محدّدا لها، فهي قد تكون على نمط السطر أو على الكتلة أو مزيجا بينهما، وقد تطول فقراتها أو تقصر تبعا للموضوع.

ويعتقد الوراري أن من شروط قصيدة النثر ما يرجع إلى طريقة استعمال اللغة وتدبير الكون الاستعاري والتخييلي عبرها، وإلى شكل تناول الرؤية الفنية في علاقتها بإيقاع ذات الشاعر وفلسفته الخاصة، “لهذا من المعيب أن نضع لها شروطا، وأن نقول ينبغي أن تكون كذا وكذا، لأن القصيدة في الأصل جاءت ضدّ إملاءات السنن الشعري التقليدي وقوانينه المسبقة، وإلا فإنّ هذا الأمر يُعطّل حداثتها الناشئة باستمرار”.

الشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري أشار إلى كون قصيدة النثر تمثل تمردا على التقليد الشعري (مواقع التواصل)

لكن في المقابل، ليس الأمر متروكا للفوضى وكيفما اتّفق، بل للحرية الخلّاقة وللعقل المبدع الذي يضع نصب عينيه بناء البديل الأجمل حين يهدم ويراجع ما مضى.

ويؤكد الوراري -في حديثه للجزيرة نت- أنّ النص الذي تجاوز الوزن واستبدل به الإيقاع، والذي ارتفع بأشواق الذات وأسئلتها الحرّى بدل الولاء لزعيق الأيديولوجيا والهتاف السياسي، والذي كتب أعقد أشكال المعنى ببساطة شديدة وشفافيّة عالية، والذي اتخذ السرد فعاليّة لتخييل موضوعه الشعري، والذي انفتح على مدوّنة الكلام الإنساني حين امتحن سؤال البحث عن النفس ومعرفتها؛ “هذا عندي من قصيدة النثر ومن صميمها الجوهري”.

بعد 6 عقود
وبعبارة أخرى، يشير الوراري إلى أن النصُّ يكتب الذّاتَ والعالمَ ويبتكر شهواته فيما يكتبه بحرّية وخلق، ثُمّ تأتي النظرية لتستبطن هذا وذاك على حساب فهمها ومقدار تلقّيها الأداتي، ولكن ليس العكس بأيّ وجه من الوجوه.

أما قصيدة النثر التي تُكتب الآن عربيّا، فما زال أمامها الكثير لتقوله، “هذه القصيدة التي يناهز منجزها النصّي نحو 6 عقود، ما تزال ملامح حساسيّتها الفنية غير مكتملة؛ فهي تتطور باستمرار، وتستفيد من ظهور أشكال وفنون أدبية وثقافية جديدة، وربّما تلمست هذا التطور المُطّرد بسبب مرونتها وانفتاحها وعزلة مبدعيها الباهظة”.

لكن قياسا إلى حركة الشعر الحديث التي ازدهرت بقوّة مبدعيها، وما رافقها من اهتمام أكاديمي وبحث نقدي دائمين، لم يتحقّق بعدُ لهذه القصيدة النفيسة -مع كلّ الحروب التي أشعلتها والسجالات التي أثارتها- حركة نقدية حقيقية وقادرة على تفهُّم طبيعة التجربة ومغامراتها، بما لها وما عليها كأيّ تجربة إبداعية بعيدة الأثر.

ويعتقد الوراري أن من الصعب اليوم أن نتحدّث عن خصوصيات أو سمات قارة من أيّ نوع ترتبط بقصيدة النثر في هذا البلد أو ذاك؛ فلا وجود لقصيدة نثر مغربية خالصة، ولا مصرية أو عراقية أو لبنانية على سبيل المثال، لأنّنا في الحقيقة بصدد تأثيرات عارمة وحادّة قابلة للحياة والتعايش داخل هذا النوع الشعري المنفتح والعابر للأنواع والحدود في لغتنا العربية المعاصرة.

غياب النقد
يقول الشاعر التونسي عبد الفتاح بن حمودة (إيكاروس)، إن الشعر العربي تحقّقت له مدوّنة بارزة بفضل ما قدّمته قصيدة النّثر من تراكم، ابتداء بما أنجزه الروّاد مثل أنسي الحاج ومحمد الماغوط وسركون بولص وصلاح فائق ووديع سعادة ومبارك وساط ورياض الصالح الحسين ومحمد بنطلحة وباسم المرعبي ورفعت سلام وشوقي أبي شقرا وعبد الله زريقة وغيرهم كثير.

لكن بن حمودة يعتقد أن الاهتمام النقدي المكرس لقصيدة النثر العربية قليل مقارنة بما حقّقته المدوّنة الشعرية، وذلك لسببين: الأول، أن النقد ظل سجينا للقصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة التي حققت هي الأخرى تحولات مهمّة رغم بعض المآزق.

الشاعر التونسي عبد الفتاح بن حمودة نوّه بالتراكم الذي حققته قصيدة النثر العربية (مواقع التواصل)

والسّبب الثاني: إحجام النقاد عن قراءة قصيدة النثر نظرا إلى عدم توضّح معالمها وتشتت المدوّنة وظهور الكثير من التناسخ والمسخ والتكرار، فقليلة هي التجارب التي أسست رؤى جديدة وطوّرت قصيدة النثر من جهة الاشتغال التركيبي وتطوير الإيقاع الذي يختلف من شاعر إلى آخر.

ويتابع بن حمودة -حديثه للجزيرة نت- متحدثا عما أسماه حضور الإيقاع، “وهذا ما أنا في انتظاره في العمل النقدي الذي يشتغل عليه الباحث والشاعر والمترجم التونسي أشرف القرقني، اعتمادا على نظريات الإيقاع الحديثة وخاصة هنري ميشونيك، وأعتقد أن هذا البحث سيخلّص قصيدة النثر من مآزق كثيرة”.

ويبدو أن حظّ قصيدة النثر قليل رغم ظهور دراسات وبحوث وكتب نقديّة. بدأت بفضل نقاد مثل أحمد بزون وعز الدين المناصرة وحاتم الصكر وشربل داغر ومحمد صابر عبيد والناقد والشاعر المصري الراحل شريف رزق وعبد اللطيف الوراري وفتحي خليفي وغيرهم.

وينبه بن حمودة إلى أن ما ظهر مؤخّرا مما يسمّى قصيدة الهايكو هي أشياء متهالكة في أغلبها، رغم وجود بعض الأسماء المهمّة مثل الشاعرة التونسية هدى حاجّي.

أما ما يسمى الومضة فما كتب فيها يعتبر متهالكا وتقليدا فجّا للهايكو الياباني الأصل. فالهايكو يعتمد تركيبيا على سطرين من جهة الاستيفاء التركيبي، رغم توزيعه على 3 أسطر بصريا. والومضة توجد في كل شيء حتى في النثر.

المصدر : الجزيرة

عن Mohamed

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى