الرابطة نيوز
الرئيسية / مقالات / بوصوف: هذه “الأجِنْدات المُعلقة” في زمن جائحة “كورونا” المستجد‎

بوصوف: هذه “الأجِنْدات المُعلقة” في زمن جائحة “كورونا” المستجد‎

الرابطة نيوز 2020.05.20

لم يكن قرار منظمة الصحة العالمية يوم 11 مارس إعلانها فيروس كورونا “جائحة” أو “وباء عالميا” بالقرار العادي، خاصة بعد أن بلغ عدد الحالات حينذاك على المستوى العالمي أكثر من 118 ألف حالة في أكثر من مائة دولة، وزاد عدد الوفيات عن عشرات الآلاف، بل كان قرارا يحمل كل مواصفات “القرار التاريخي والمفصلي”، لذلك يتم اعتماده من طرف أغلب المحللين الاستراتيجيين تاريخا فاصلا بين مرحلة ما قبل وما بعد زمن كورونا.

وانتعشت الذاكرة الإنسانية والتاريخية بعد إعلان فيروس كورونا “وباء عالميا”، باستحضار مآسي لا تزال عالقة بالذاكرة الجماعية الإنسانية في أزمنة غابرة أو حديثة، حيث عبثت فيها الأمراض والأوبئة بأرواح العديد من البشر.

وهو ما لوحظ سواء من خلال كتابات ومؤلفات أو تقارير استشرافية وتحليلية لما عليه الواقع الآن، وتوقع ما سيؤول إليه الأمر في المستقبل، أو من خلال الطلب المتزايد لقراءة كتب اتخذت من الأوبئة والأمراض المعدية مضمونها، وحققت بذلك مبيعات خيالية، ونذكر منها مثلا، كتاب “الوباء” لألبير كامو، وكتاب “العمى” لخوسي ساراماغو، وكتاب Spillover لدافيد كوامين.

فقوة جائحة كورونا لا تُخْتزل فقط في انتعاش عمليات تسويق كتب عن بُعْـد تناولت الحديث عن الأوبئة ورفعت بذلك نسبة القراءة، ولا تُختزل في لغة أرقام الضحايا، ولا تُختزل في عودة استعمال مصطلحات جديدة كـ”اقتصاد الحرب” مثلا، أو التداول العالمي والقوي للعـديد من المصطلحات، كالحجر الصحي والمرحلة الثانية وإجراءات الوقاية، ومعادلات جديدة للأمن الغذائي والأمن الصحي والبحث العلمي. كما لا تختزل في ملامح الخرائط الاستراتيجية للعالم على أكثر من مستوى لمرحلة ما بعد كورونا.

لأن قوة كورونا تجلت أيضا في تعطيل طقوس الحياة اليومية لمواطني العالم، تماما كما عطلت العديد من أجندات الدول والأنظمة السياسية وأسواق البورصة والمال والرياضة والثقافة وغيرها.

2020 ليست سنة عادية .. هي مساحة زمن انتقالية

إن الحرب التي أعلنها أغلب قادة دول العالم على فيروس كورونا، فرضت تغيير العديد من الطقوس اليومية وكذا الحد من حرية التنقل والتباعد الاجتماعي، كإجراءات وقائية للحد من تفشي العدوى بين الناس، وهو ما يعرف بالحجر الصحي أو الطوارئ الصحية، في انتظار لقاح فعال ضد فيروس كورونا.

وقد لا نبالغ بالقول إن سنة 2020 ستبقى عالقة بالذاكرة التاريخية، وإن أحداثها ستـكون مصدر إلهام للعديد من الكُتاب والروائيين ورجال السينما، وبنفس القوة ستبقى عالقة في الذاكرة الإنسانية وكل الأجندات السياسية والثقافية والرياضية.

كما سيكون أبناء هذا الجيل “شهود عيان” عن انتهاء مرحلة تاريخية عرفت إلغاء أو تأجيل العديد من المواعيد العالمية، التي لم تعرف التوقف منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

لقد عصفت كورونا بمواعيد سياسية هامة وفي أكثر من دولة، حيث تم تأجيلها احترامًا للطوارئ الصحية؛ بدءا بتأجيل الدور الثاني من الانتخابات البلدية الفرنسية المحددة سلفا في تاريخ 22 مارس إلى 21 يونيو، وفي إسبانيا تم تأجيل انتخابات أقاليم الباسك وغاليسيا المحدد إجراؤها بتاريخ 5 أبريل إلى ما بعد الصيف الحالي، بالإضافة إلى لائحة من التأجيلات بخصوص الانتخابات في كل من سيريلانكا وصربيا وإثيوبيا وبوليفيا.

كما تم تأجيل تمهيديات الحزب الديمقراطي الأمريكي المحددة بين شهريْ أبريل وماي في نطاق سباق الرئاسيات الأمريكية القادمة إلى يونيو المقبل، مع الإشارة إلى سعي العديد من الولايات الأمريكية إلى اعتماد نظام التصويت بالمراسلة.

لم تسلم الاستشارات السياسية كالاستفتاءات الدستورية من قوة فيروس كورونا، وهكذا تم تأجيل الاستفتاء حول الإصلاحات الدستورية لدولة الشيلي المحدد سلفا في تاريخ 26 أبريل إلى تاريخ 25 أكتوبر المقبل. كما تم تأجيل الاستفتاء الدستوري بروسيا المحدد بتاريخ 22 أبريل إلى تاريخ لاحق (إما نهاية شهر ماي أو بداية شهر يونيو).

وقد لا تخفى على أحد أهمية استفتاء الشيلي، الذي جاء استجابة لاحتجاجات الخريف المنصرم من أجل كتابة وثيقة دستورية جديدة تختلف عن دستور سنة 1980، المنتمي إلى عهد أوغوستو بينوتشي. أما استفتاء روسيا فقد كان مصيريا في تحديد المستقبل السياسي للرئيس الحالي بوتين، ورغم ذلك فقد كانت أجندة فيروس كورونا هي الأقوى.

فيروس كورونا أرغم أغلب سكان العالم على لزوم البيوت وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى، وهو ما أدى إلى إيقاف المسيرات والحركات الاحتجاجية بالعالم، أهمها مسيرات “السترات الصفراء” بفرنسا والمسيرات الاحتجاجية في الشارع الجزائري، أو ما يُعرف بـ”الحِـراك” الجزائري.

بالإضافة إلى إلغاء المسيرات العمالية بمناسبة فاتح ماي، أي عيد الشغل، وهو ما شكل سابقة تاريخية بعدم خروج الطبقة العمالية إلى الشارع للاحتفال بعيدها العالمي، وكذا إلغاء مسيرات الاحتفال بذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية في 9 ماي من كل سنة.

لم يكن المجال الثقافي والفضاءات العمومية الثقافية أحسن حظا من المجال السياسي، فقد تم تأجيل أو إلغـاء أغلب المواعيد الفنية والثقافية ذات الشهرة والتقليد العالمي، حيث تم تأجيل معارض الكتاب بكل من لندن وطورينو وغيرها، كما تم تأجيل معارض عالمية للأثاث والمجوهرات وعروض الموضة العالمية، وتوقيف العروض المسرحية وإقفال قاعات السينما.

أكثر من هذا، فقد تم القفز على موعد “مهرجان كان للسينما” بفرنسا لشهر ماي، ومهرجان أوروفيزوين للغناء، كما تم إلغاء “سباق الثيران” الشهير في مدينة بامبلونا، والاحتفال الشعبي “Las Fallas” بمنطقة فالنسيا بإسبانيا، والتي لم تلغ إلاّ في سنوات الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، وفي ألمانيا فقد تم إلغاء احتفالات “أكتوبر فيست” الشهيرة Oktoberfest.

من جهة أخرى، فـقد تم إغلاق أبواب المتاحف العالمية والأماكن الأثرية والمكتبات العالمية في وجه الملايين من الزوار، وهو ما شكل خسارة مالية كبيرة للمجال الفني والثقافي، رغم وجود محاولات لتعويض الخسارة بتنظيم متاحف رقمية ومعارض رقمية للكتاب.

أما المجال الرياضي، فلم يقو بدوره على الصمود أمام الانتشار السريع والمفاجئ لفيروس كورونا، فكان القرار أن تم توقيف كل الأنشطة الرياضية وكل دوريات كرة القدم في العالم، حيث تم تأجيل دوري الأمم الأوروبية لكرة القدم وعصبة الأبطال الأوروبية لكرة القدم والبطولات العالمية لسباق السيارات والدراجات النارية. وتم توقيف أشهـر البطولات العالمية خاصة كرة القدم وكرة السلة.

كما تم تأجيل سباق فرنسا للدراجات “Tour de France”، ودوري فرنسا للتنس (رولان غاروس)، وتأجيل فعاليات أولمبياد طوكيو 2020 إلى سنة 2021، وسباق إيطاليا الدولي للدراجات، وغيرها من المواعيد الرياضية التي تم تأجيلها أو إلغاؤها.

كان هذا، إذن، جرد بسيط لمواعيد وأجندات سياسية وثقافية وفنية ورياضية، أرغمتها ظروف الحجر الصحي على التأجيل أو الإلغـاء، إلا أن هـذا لا يعني إعلان انتصار فيروس كورونا، بل هي “إجراءات تكتيكية” في الحرب مع عدو غير مرئي، لذلك فقد كانت حماية حياة الإنسان مُقدمة كل تلك العائدات المالية وكل ميداليات وكؤوس النصر.

فقريبا سنرفع شارة النصر وستعود الحياة إلى الفضاءات الثقافية العمومية والميادين الرياضية، وستستعيد الحياة السياسية سجالاتها، لكن بطريقة جديدة وبانتظارات جديدة وسياسات عمومية جديدة.

المصدر- هسبريس

عن Mohamed

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى