الرابطة نيوز
الرئيسية / مقالات / دروس “الحروب الوبائية” .. اختبار قوة الأمم وأزمة القيم الإنسانية

دروس “الحروب الوبائية” .. اختبار قوة الأمم وأزمة القيم الإنسانية

الرابطة نيوز 2020.03.17

شكلت أزمة “الكورونا”، أهم ظاهرة وبائية عرفتها الإنسانية في مطلع ألفيتها الثالثة، لما اتخذته من امتدادات وأبعاد جغرافية، اقتصادية، وسياسية واجتماعية وأمنية واسعة، فاقت أضرارها الصحية. وستحاول الورقة التالية، تسليط الضوء على الدروس الكونية والوطنية الأساسية التي يمكن أن نخلص بها، ضمن واحدة من أبرز اختبارات قوة الأمم وأزمة القيم الإنسانية، ونقدم بعض التوصيات التي يمكن أن تدمج ضمن صياغة النموذج المغربي التنموي الجديد.

كورونا: امتداد جغرافي هائل شمل القارات الخمس بسرعة قياسية

تظهر المعطيات الرسمية لمنظمة الصحة العالمية، المسجلة إلى حدود 16 مارس 2020، بأن حالات الإصابة التي أبلغت عنها رسميا “بكوفيد-19″، فاقت 181000 حالة، موزعة على 155 بلدا، تتقدمها الصين حيث انطلق الوباء بتسجيلها لـ(81033)، متبوعة بإيطاليا (27980)، إيران (14991) إسبانيا (9942)، كوريا (8236)، ألمانيا (7272)، وفرنسا (6650)، في المقابل، تجاوزت عتبة الوفيات 7121 شخص بنسبة وفيات تقارب 4 / من المصابين، مما صنف معه الفيروس إلى درجة “جائحة”.

وتظهر القراءة الجغرافية الأولية لخريطة انتشار الوباء، تركزه في مناطق تقع عموما شمال مدار السرطان وخاصة بالضفة الشمالية للمتوسط، بينما تعتبر الحالات المسجلة بكل من القارتين الإفريقية والأمريكية الجنوبية جد محدودة. ويمكن أن نستنتج من هذا التوزيع الجغرافي، أن ارتفاع درجات الحرارة وقوة الإشعاع الشمسي، ربما قد يلعب دورا في الحد من انتشار الفيروس وبالتالي تقليل عدد الإصابات.

معارك سياسية وأزمات ديبلوماسية وتعبئة عسكرية غير مسبوقة بسبب الفيروس:

انتشرت العديد من التلميحات الصينية الرسمية والإعلامية، حول الدور الممكن للجيش الأمريكي في جلب الفيروس إلى مدينة ووهان الصينية، تضاف لها تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي، بإمكانية تعرض البلاد لهجوم بيولوجي عن طريق فيروس كورونا داعيا الجيش الإيراني إلى الرفع من جاهزيته لمواجهة الحرب البيولوجية، وهو ما ترجم بإطلاق مناورة الدفاع البيولوجي.

وإَضافة لكل من الصين وإيران، استدعت عدة بلدان أخرى جيوشها، ضمن خطط مواجهة هذه الأزمة الوبائية، كبريطانيا وكوريا، والفليبين وسويسرا، سواء في تنفيذ إجراءات الحجر الصحي على بعض المناطق، أو من أجل ضبط أكثر للحدود البرية والبحرية، أو الاستفادة من التجهيزات والخدمات الطبية العسكرية لتلك الجيوش ومن مستشفياتها المتنقلة.

وأسهمت التغطية الإعلامية العالمية الاستثنائية للحدث (القنوات الفضائية الشهيرة، الإذاعات، الصحف الورقية، المواقع الإلكترونية، مواقع التواصل الاجتماعي، …)، في إبراز التنافس بين الدول المعنية، في اختبار إبراز قوتها على احتواء تداعيات الوباء، سواء بتسليط الضوء والتباهي بمنظومتها الصحية القوية وتجهيزاتها المتطورة وجاهزية أطقمها الطبية ومختبراتها العلمية، وهنا نشير للتسابق الأمريكي الألماني في تحقيق السبق على مستوى إنتاج الدواء، ونفس الشيء يعم إظهار كفاية المخزونات الاستراتيجية من المواد الاستهلاكية المختلفة لطمئنة الشعوب، وإطلاق نوع من “المزاد العلني” حول المخصصات المالية لاحتواء الأزمة، المتراوحة بين ملايين وعشرات ملايير الدولارات/الأورو، حسب القوة المالية لكل دولة.

وتسابق رؤساء فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية في خرجاتهم الإعلامية ومؤتمراتهم الصحفية، في محاولة لاستمالة الرأي العام، من خلال إبراز عنايتهم بالحدث وصحة وسلامة المواطنين (تنظيم رحلات إجلاء الرعايا)، فيما كان لافتا “خطاب الرعب”، الذي وجهه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى مواطنيه، واصفا الأمر بأنه أخطر تحدي يمكن لجيل ما أن يواجهه.

ومن جهة ثانية، وصف بعض المتابعين تغريدة الرئيس الفرنسي “الجافة” المطالبة بترحيل الرعايا الفرنسيين من المغرب، بكونها تفتقد للياقة الديبلوماسية مقارنين إياها مع ردة فعله تجاه قرار ترامب بوقف الرحلات المتجهة والقادمة من البلدان الأوروبية، الشيء الذي خلف استياء العديد من القادة السياسيين الأوروبيين. كما تبادلت بعض البلدان اتهامات بتسييس فيروس كورونا (السعودية وإيران).

ويجمع الملاحظون، على أن الصين قدمت لحد الآن صورة قوية على مكانتها العالمية، من خلال تطويق الوباء ومعالجة عشرات آلاف الحالات وتقليص عدد الإصابات الجديدة إلى الحد الأدنى، وقدرتها على ضبط شعبها وعزل مدن ومناطق بأكملها، وبناء وتفكيك عشرات المستشفيات الميدانية في مدد زمنية قياسية، بالإضافة إلى تصدير تجربتها لمساعدة إيطاليا، ويعتبر تقديم الصين مساعدات طبية وبعثة طبية لبلد أوروبي انقلابا في المشهد السابق، حيث تقدم فيه البلدان “المتقدمة” مساعدات للبلدان النامية، في دلالة على تصدر الصين للمشهد الدولي.

الأضرار الاقتصادية: العض الإرادي على الأصابع بتخفيض الحركة التجارية الدولية

تصدرت مشاهد إغلاق الحدود الدولية والمطارات وتوقيف الرحلات، وعرقلة حركة السلع والمبادلات التجارية، الشاشات ووكالات الأنباء الدولية والوطنية خلال الأيام السابقة، مسجلة انعكاسات مباشرة على مستوى تراجع الطلب على المنتجات النفطية (تراجع تاريخي للأسعار) زاد من حدته حرب الأسعار الذي أطلقته السعودية مؤخرا.

وفي نفس السياق، تراجع الطلب على المنتجات الصينية وبقية البلدان المتضررة، ومحاولة تعويضها بسلع بلدان أخرى، وسجل تراجع هائل على مستوى عائدات السياحة الدولية وحجوزات الفنادق وبرامج وكالات الأسفار، كما تضررت البورصات وتراجعت قيمة العديد من العملات وازدياد المخاطر والمخاوف الاقتصادية وفقدان مناصب الشغل. وتعتبر هذه الأزمة امتحانا عصيبا للنظام الرأسمالي ولعولمة الاقتصاد العالمي، الذي لم يضع في الحسبان بدائل مسبقة لسيناريو التوقف شبه الشامل للعديد من المعاملات، في مقابل تصاعد أهمية الأمن والاكتفاء الطاقي والغذائي والصحي والتصنيع الذاتي.

أزمة قيمية كونية: عندما يفقد الإنسان الألفية الثالثة إنسانيته

أبرزت الأزمة الوجه الآخر المخفي وربما “الحقيقي” للإنسان، بعيدا عن قيمه “المصطنعة” في الظروف الاعتيادية، وترجمت على شكل فضائح أخلاقية همت مختلف البلدان، لعل أخطرها محاولات بعض المصابين النشر المتعمد للعدوى للإيقاع بالآخرين، كما شكل الاستهتار والضحك وإنتاج الفكاهة بالاعتماد على معاناة الآخرين (أغاني، نكت، كاريكاتير)، مظهرا آخرا لأزمة القيم الإنسانية، ليصل الأمر إلى حد تسجيل مجموعة اعتداءات عنصرية تجاه الحاملين للمرض خاصة الآسيويين منهم.

من ناحية ثانية فيما عبرت “الرأسمالية الصغيرة التي يمثلها جانب من التجار” عن وجهها الاحتكاري والمضارباتي الحقيقي، باختيار مضاعفة أسعار الكمامات الطبية والمطهرات والعديد من المنتجات الاستهلاكية، كما أن “هجوم” فئات عريضة من المستهلكين على المحلات التجارية واشتداد “سعار” شراء المنتجات الغذائية (الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، إسبانيا، المغرب، …)، حيث انتشرت عشرات الصور والفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما تسبب في أزمة ثقة وتهافت فئات أخرى وعمليات تسابق أدت في بعض الحالات إلى عراك بالأيدي على اقتناء السلع.

وتظهر مختلف هذه المظاهر الأزمة القيمية لأفراد ومجتمعات الألفية الثالثة، وسيادة الأنانية المفرطة، فالإنسان لم يعد مهتما بإنقاذ أخيه الإنسان، ويظن أن بإمكانه النجاة وحيدا والتفرج على معاناة الآخرين بما يهدد بهلاك جماعي.

ودفعت هذه التطورات، العديد من المنظمات الدولية والمؤسسات الرسمية وفعاليات المجتمع المدني ورواد التواصل الاجتماعي، إلى الدعوة بضرورة التحلي بقيم التضامن ونبذ مختلف السلوكيات المشينة والتصرفات اللاإنسانية، في دليل على وجود “صيحة” ويقظة للضمير الإنساني. وتعتبر التبرعات المالية الكبيرة التي قدمها بعض الأغنياء ورجال أعمال لبلدانهم، للإسهام في تجاوز الآثار ومواجهة الوباء، علامة مشرقة في هذا الصدد (إيطاليا على سبيل المثال).

الدروس المغربية من الأزمة، وفرص إدماجها ضمن النموذج التنموي الجديد

يعتبر المغرب، من آخر البلدان التي مسها انتشار الفيروس، الشيء الذي يفسر محدودية العدد الإجمالي للإصابات الذي لم يتجاوز عتبة 29 إصابة لحد الآن. ورغم ذلك، فإن السلطات اتخذت إجراءات احترازية حاسمة، كوقف الرحلات نحو البلدان المعنية بانتشار الفيروس، وتعليق الدراسة ومختلف الأنشطة والتجمعات والتظاهرات الثقافية والرياضية والدينية، وآخرها المطاعم والمقاهي والحمامات وتعقيم بعض الفضاءات العامة، واعتماد بدائل التدريس والعمل عن بعد.

وأحدث “صندوق خاص بتدبير ومواجهة فيروس كورونا” بأمر من ملك البلاد الذي وجه تعليمات لرئيس الحكومة بالتحلي بالشفافية المطلقة فيما يتعلق بالإجراءات والمعطيات والأرقام المرتبطة بفيروس كورونا. ويمكن التنويه أيضا، بالإجراء الذكي الذي اتخذته المصالح المغربية الوصية، بوضع مركز للحجر الطبي خاص بالوافدين من معبر الكركرات الحدودي، فبالإضافة إلى طابع الصحي الاحترازي فهو يمثل خطوة ذات رمزية سيادية ضمن حدودنا الجنوبية مع موريتانيا.

وتميز اتخاذ هذه الإجراءات، بمنهجية متدرجة في الإعلان عن مختلف القرارات، على الأرجح لتقليل وقعها النفسي وتفادي إحداث الهلع في نفوس المواطنين. ومع ذلك، يمكن تسجيل تأخر نسبي في تاريخ أول ظهور لرئيس الحكومة ضمن قنوات الإعلام الوطني العمومي ضمن حلقة خاصة لتناول الحدث، بالإضافة إلى تضارب في المعطيات بخصوص المخزون من المواد الغذائية الذي حدده رئيس الحكومة في 4 أشهر، بينما رفعه وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر، إلى 8 أشهر، بعد الاجتماع مع ممثلي قطاع التجارة ومثلي الاتحاد العام لمقاولات المغرب.

ورغم مختلف التطمينات والإجراءات، لم يستثن المغرب من ظاهرة التهافت على المحلات التجارية وإفراغ بعضها بشكل مؤقت قبل إعادة الملء بالسلع، مع تسجيل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية (خاصة المنظفات) وأسعار الخضر والتسابق على قنينات الغاز، بما يعكس وجود تخوف لدى هذه الفئات وإشكالية ثقة.

في المقابل، أظهرت العديد من فعاليات المجتمع المدني، وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قدرة كبيرة على التأطير والتحسيس والتوعية الموازية والتكميلية لجهود الدولة والإعلام الوطني العمومي في صورة مشرقة. وهمت الجهود والتغريدات والتدوينات، التعريف بالفيروس وطرق الوقاية منه ومكافحة الإشاعات، ودعم جهود الدولة والتوصية بضرورة الالتزام بها، مع طرح أفكار ومبادرات وتصدر وسم “أضع نفسي رهن إشارة الدولة المغربية” لنسبة معتبرة من نشطاء الفضاء الأزرق، كبادرة على المواطنة الفاعلة والوحدة المجتمعية والدور البناء للنخب المفكرة والمثقفة.

وعبر المغردون عن استنكارهم لسلوكيات التهافت والهلع والتسابق على تخزين كميات تفوق حاجيات العديد من زبناء المتاجر الكبرى، محاولين إيقاظ الضمير الجمعي للمغاربة، ودفعهم للتفكير في احتياجات الآخرين، والحد من السلوكيات التي قد تدفع جانبا، من “المنتفعين” للرفع من أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية خاصة المواد المطهرة.

النموذج التنموي الجديد ودروس أزمة “الكورونا”

أثبتت الأزمة بما لا يدع مجالا للشك، بأن القطاعين الاستراتيجيين الذين يمثلهما التعليم والصحة يشكلان الأساس المتين والركيزة الصلبة، لكل دولة، فتماسك وقوة المنظومة التعليمية والبحث العلمي، لها انعكاسات على مختلف مجالات الابتكار والتصنيع والإنتاج بما في ذلك، تطوير الصناعة الوطنية في المجال الصحي من التجهيزات إلى غاية الأدوية، ودور التربية في إنتاج نخب ومواطنين يتحلون بالمصداقية، والمهنية والأمانة الأخلاقية، والتمكن اللغوي والغيرة الوطنية، وتعزيز قيم التضامن والتكافل الاجتماعي والمجالي بين المغاربة وفي تعاملهم مع الآخرين (المهاجرون من إفريقيا وسوريا مثلا).

ونفس الشيء، يقال على المنظومة الصحية، فالدولة القوية يشترط فيها، التوفر على منظومة صحية عمومية مجانية قوية، بمستشفياتها الجامعية والجهوية والإقليمية وصولا لأبسط مركز صحي بالمجال القروي، وتنويع المختبرات البحثية لإنتاج الأدوية بكميات كافية، وتخصيص مقدرات مالية كبيرة لتأطير وتكوين وتخريج الموارد البشرية الطبية المؤهلة في مختلف التخصصات، كما توضح مخاطر خوصصة القطاع الصحي وتحويله لقطاع تجاري بما قد يرهن صحة المواطنين بإمكانياتهم المادية، وبتقلبات الوضع العالمي.

ويؤكد السياق الدولي الحالي، أيضا على أهمية، إحداث مركز دائم لليقظة الوبائية، ومركز للتدبير الاستباقي والمستدام للمخاطر الاقتصادية والبيئية، والتأكد المستمر من كفاية المخزون الطاقي والغذائي والمالي الاستراتيجي للبلاد، في ظل تحديات الحروب التجارية والوبائية وتوالي سنوات الجفاف وبقية الأخطار الطبيعية، كالفيضانات والزلازل والمد البحري والتلوث، وتصحيح السياسة الغذائية الوطني لضمان الاكتفاء الذاتي من المواد الاستهلاكية الرئيسية.

وجدير بالذكر، أن مثل هذه الأزمات، توفر فرصا اقتصادية ثمينة، على غرار التراجع القياسي في أسعار المنتجات النفطية وإمكانية استغلاله للرفع من الاحتياطي الاستراتيجي، وتقليص نفقات العملات الصعبة ودعم الاقتصاد الوطني وتصدير المنتجات الغذائية لتعويض الأسواق المتضررة (التصدير لروسيا مثلا). كما تمثل هذه المحطات، مناسبة للتأكد من جاهزية البلاد دولة ومؤسسات ومواطنين لمواجهة، مختلف تحديات وأزمات الألفية الثالثة، والوقوف على محاور النقص والاختلال ونقاط الضعف، لتمعالجتها وتقويتها، ونحن على أبواب صياغة نموذج تنموي جديد للبلاد.

* ستاذ شعبة الجغرافيا بجامعة محمد الخامس الرباط

المصدر- هسبريس

عن Mohamed

اضف رد

إلى الأعلى